نفحات اسلاميه
اهلا بك معنا في منتدي نفحات اسلاميه

نفحات اسلاميه

كل ما يخص الدين الاسلامي/فقه/سنه/حديث/افكار/الاسلام والغرب/الاسلام بالانجليزيه/شباب الامه/فتيات الامه/
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 التوحيد والتزكية والعمران

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عادل حمام

avatar

ذكر عدد المساهمات : 73
تاريخ التسجيل : 12/08/2010
العمل/الترفيه طالب
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: التوحيد والتزكية والعمران   السبت أغسطس 21, 2010 6:16 am

انعكاسات التوحيد على مختلف جوانب الحياة:
إن القرآن الكريم يعرض الإيمان، كما لو كان شجرةً باسقةً جذرها التوحيد، بكل ما يتصل به بشكل مباشر، وجذعها وساقها الإقرار والاعتراف بذلك بكل وسائل الإقرار والاعتراف والإعلان الملائمة، وأغصانها وثمارها الأعمال والسلوك.
وبقطع النظر عن موقف أهل الكلام والفلسفة والحكمة وفقهاء اللغة وأقوالهم المختلفة في هذا المفهوم الشرعي وغيره، فإن المصطلحات والكلمات التي استعملها الشارع قد قام بعملية تفريغ وشحن لها بالمعاني التي أراد الله سبحانه وتعالى وضعها فيها، وتضمينها في تلك المصطلحات، لتصبح مفاهيم شرعية تخضع لسياقات لغة الشارع وطبيعتها، وتعبر عن مراده تبارك وتعالى، وحين تصبح حقيقة شرعية ينبغي أن تكون الأولوية في معانيها للمعاني الشرعية، لا اللغوية التي نقلت عنها، ولا للوضعية التي يتواضع عليها أهل الاصطلاحات فالقرآن هو الحكم في تحديد معاني المفاهيم والمصطلحات التي ترد في لغة الشارع الحكيم، وكذلك السنة النبوية المبينة له، حيث تعزز تلك المعاني وتزيدها جلاءً وظهوراً؛ ولذلك كان من خصائص هذا القرآن البارزة أنه يفسر بعضه بعضاً.
وفي لغة القرآن قلّ أن يذكر الإيمان منفصلاً عن العمل (إنَّ الَّذينَ آمنُوا وَعَملُوا الصَّالحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيرُ البَريَّةِ) (البينة: 7) (إنَّ الَّذينَ آمنُوا وَعَملُوا الصَّالحاتِ لَهُمْ أجرٌ غَيرُ مَمنونٍ) (فصلت: Cool.
وتستمر آيات الكتاب الكريم تربط بهذا الشكل المعجز الدقيق بين الإيمان والعمل، عبر سور القرآن كلها بحيث لا يستطيع المتدبر لآيات الكتاب الكريم أن يتصور أن الإيمان أو التوحيد يمكن أن يوجدا منفصلين عن العمل، أو يمكن أن يكونا بسيطين منعزلين لا ينعكسان على شيء، وأنه يكفي استقرارهما في القلب للحصول على مسمى الإيمان، أو على الاتصاف به، وحمل لقب مؤمن أو موحد، ولذلك أقسم سبحانه وتعالى على ذلك، إذ قال تعالى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمنونَ حَتَّى يُحكموكَ فِيمَا شَجرَ بَينهُمْ ثُمَّ لاَيجدُوا فِي أنفسهِمْ حَرجاً ممَّا قضَيتَ وَيُسلِّموا تَسلِيماً) (النساء: 65). والتحكيم فعل، وقبوله وتنفيذه فعل. فكيف ينعكس التوحيد على جوانب الحياة كلها؟
إن (العقيدة والتوحيد في موضع القلب منها) ثمرتها الأساسية معرفة وعمل، والمعرفة والعمل تمثلان ضوابط لتصرفات الإنسان ينطبع بها سلوكه العملي، في جوانب الحياة كلها الفردية والأسرية والعامة.
وهنا يحسم القرآن المجيد في قضية زيادة الإيمان ونقصانه، التي جعل المتكلمون منها مسألة طويلة الذيل، أنفقت في تحريرها والحوار فيها وحولها آلاف الصفحات من كتب علم الكلام. قال تعالى (وَالَّذينَ اهْتدَوا زَادهُمْ هُدىً وَاتَاهُمْ تَقواهُمْ) (محمد: 17).
ولولا أن الإيمان القرآني مفهوم متميز ومركب، يشمل المعرفة والتصديق القلبي والإقرار اللساني والعمل بأنواعه لما عد قابلاً للزيادة والنقصان، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي والمخالفات. وهذا الارتباط الوثيق بين التوحيد والعمل هو الذي يعطي التوحيد باعتباره واسطة العقد في منظومة القيم العليا الحاكمة القرآنية القدرة الهائلة والمرونة التامة في تقييم الفعل الإنساني أياً كان تقييماً، إلى جانب القيمتين الأخريين: التزكية والعمران، بل يستطيع التوحيد منفرداً أن ينعكس على ذلك بشكل دقيق، فمن الأفعال ما تدرك منافاته للتوحيد بداهةً، ومنها ما يحتاج إلى نظر ليدرك ذلك فيه، ومنها لا تدرك منافاته للتوحيد إلا بنظر دقيق لا يمارسه إلا القادرون على ذلك.
تجليات التوحيد:
تجليه على المعرفة:
إن التوحيد من أهم المحركات الموضوعية المؤثرة في اتجاه وإفراز الدواعي والقوى المحركة للمعرفة وتحديد مضمونها وتفسير الغامض والمبهم منها، والإجابة عن أسئلة (ما هو؟) (أي شيء هو) وماذا؟ وكيف. ولماذا؟ بل وتحديد ما يمكن التساؤل عنه وما لا يمكن أو لا يحسن السؤال عنه.
فالتوحيد يمثل حجر الزاوية في تكوين وبناء الرؤية الكلية عن الكون والحياة والإنسان، والتوحيد يوضح حدود وأبعاد الدور الإنساني في الكون والحياة. وفي الوقت نفسه يحقق قدرة كبيرة على صياغة المفاهيم الضرورية لبناء فاعلية الإنسان، وتشكيل دافعية العمران والتسامي فيه، وإيجاد المنطلقات المعرفية والثقافية السليمة لدى الإنسان.
إن الفلسفات البشرية ومصادر الإنسانية ما زالت تتخبط في مواقفها من معظم القضايا الأساسية، مثل حقيقة الإنسان ومكانته ودوره في الحياة، وعلاقته بالطبيعة، وحقيقة الحياة، وحقيقة الموت، والتاريخ، والصيرورة، والزمن، وعلاقة الخالق بالمخلوق، والحق والباطل، وغيرها من الأمور التي تشكل الرؤية التوحيدية فيها أهم المعايير التي يزن الإنسان بها نشاطه النظري والعملي، وعليها يقيم موازين التفسير والتقويم لكل ما حوله، ويبني على أساسها علاقاته بالواقع الاجتماعي بجوانبه المختلفة. ولذلك فإن وصول البشرية إلى منهج معرفي سليم تعززه وتتظافر معه نماذج معرفية تتصل وتنبثق من نظام معرفي كامل، أمر في غاية الأهمية فإنه لا يمنح الإنسان القدرة على إدراك وفهم ما حوله والإجابة عن (الأسئلة الكلية النهائية)، وتفسير سائر ما يعرض له في الحياة، ويفتح أمامه سائر الآفاق المعرفية مثل (التوحيد). فالتوحيد هو المفتاح الذي يفتح مغاليق سائر تلك الأمور وسواها.
إن التوحيد يحصر مصادر المعرفة بمصدرين اثنين لا ثالث لهما هما: الوحي والوجود، والعقل بينهما وسيلة وأداة معرفة واستنباط وحدس وإدراك، بل وتوليد لأبعاد أخرى في الوقت ذاته. وفي الوقت نفسه يصنف التوحيد المعرفة إلى: سمعيات، ينحصر مصدر معرفتها بالسمع والنقل؛ ولا بد من تلقيها بطريق صحيح، وإلى تجريبيات، وطبيعيات، ضرورية أو كسبية، إلى غير ذلك من تفاصيل.
والسمعيات هي المصدر الوحيد لسائر الأمور الغيبية، فلا داعي لأن ينفق الإنسان النسبي المحدود أي شيء من عمره القصير وجهده العقلي، بعد ثبوت الدليل السمعي به لديه وإيمانه به، إلا في تلقي تلك المعلومات كاملة من الدليل السمعي. أما ما عدا ذلك من أنواع المعرفة فكلها ممكنة ومتاحة ولدى الإنسان الاستعداد والآلات القادرة على الوصول إليها بالتعلم ومراكمة ذلك بالأقلام. و(التعلم) هنا ليس تذكر معلومات سابقة أودعت في النفس قبل اتصالها بالجسم كما يذهب إلى ذلك أفلاطون لأن التوحيد علمنا أننا ولدنا لا نعلم شيئاً (وَاللهُ أخْرجَكُم مِنْ بُطونِ أمِهَاتِكُم لاَ تَعلمُونَ شَيئاً وَجَعلَ لَكُم السَّمعَ وَالأبْصَارَ والأفئِدةَ لَعلكُمْ تَشكُرونَ) (النحل: 78) كما علمنا أن مصدر العلم هو الله تعالى (وَعلَّمَ آدمَ الأسْماءَ كُلهَا ثُمَّ عَرضهُمْ عَلى المَلائِكةِ فَقَالَ انْبئُوني بِأسماءِ هَؤلاء إنْ كُنتمْ صَادقينَ) (البقرة: 31).
وحين يؤمن الإنسان بهذا لن يستطيع الباطل المرتدي لبوس العلم أن يصل إلى عقله أو قلبه فيخبتا له عن طريق العلم، فلا مجال للزيف والباطل والخرافة والشعوذة، ومالا دليل عليه ولابرهان، ولم ينزل الله به سلطاناً أن يحتل أي موقع في ذهن الإنسان الموحد وعقله مع كونه باطلاً وزيفاً وخرافة؛ فالتوحيد عاصم للإنسان من ذلك ومن كل ما لا يغني من الحق شيئاً. وبذلك يرتبط الإنسان بالحق والحقيقة والعلم والبرهان وما يوصل إليهما.
والتوحيد يجعل العلم وسيلة للتقوى والارتباط تعالى مصدر كل علم وخير ومعرفة (إنَّما يَخشَى اللهَ مِنْ عِبادهِ العُلمَاءُ) (الإسراء: 28) فلا يستطيع الغرور بالمعرفة والعلم أن يستولي على قلب الموحد أو عقله أو كليهما، فما يقول المؤمن الموحد تلك المقالة الفاجرة (إنَّما أوتيتُهُ عَلى عِلمٍ عِندِي) (القصص: 78) بل يقول دائماً (سُبحانَكَ لاَ عِلمَ لنَا إلا مَا عَلمتنَا إنَّكَ أنْتَ العَليمُ الحَكيمُ) (البقرة: 32)، وبذلك يوصل التوحيد علم الإنسان بالإنسانية كلها لا في حاضره وحده، وما هو متداول فيه، بل يفتح أمامه آفاقاً ممتدة في الماضي إلى عهد آدم أبي البشر ليجعل كل ما توصلت البشرية إليه من علوم ومعارف ودونته بأقلامها إرثاً له فيه نصيب، وفي الوقت نفسه يفتح أمامه آفاق المستقبل، ليطل عليها دون إحساس بالنهايات التي يشعر لها الآخرون، فيتوقفون عند نهايات فلسفية محددة موهمة يمكن أن تؤدي إلى توقف حركة العلم، والحيلولة دون انطلاقه المستمر كما في فلسفات (End) والنهايات.
كما أن الموحد لن يسخر العلم إلا فيما يرضيه تعالى وينفع الناس فلا مجال لتسخير العلم لبناء أسلحة الدمار الشامل أو غير الشامل، ولا مجال لتسخير العلم ومنجزاته لإفساد الحياة، وإعلاء شأن الفساد والإثم فيها، وتدمير البيئة والإنسان والحياة والأحياء وخيانة واجب الاستخلاف ومهام العمران. والعلم والمعرفة عند الموحد يقتضيان العمل الصالح، فالموحد يستعيذ بالله من علم لا ينفع.
والتوحيد قبل ذلك وبعده يبني للإنسان المنهج العلمي. والنظام المعرفي، ويحدد له كل ما يتعلق بالمعرفة بدءاً بالمنهج والنموذج، وفلسفة المعرفة وتاريخها وتصنيفها، وانتهاءً بوظائف العلم والمعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. فهو نظرة عامة إلى الواقع والحقيقة والعالم والزمان والمكان والتاريخ البشري، لذلك استطاع التوحيد أن يمنح (العمران والتمدن) الإسلامي هوية خاصة ميزتها عن سائر الحضارات الإنسانية السابقة واللاحقة، وجعلت من مكونات العمران والتمدن كياناً قائماً يسمى (الأمة الوسط أو القطب أو خير أمة).
لقد استطاع التوحيد أن يحسم ذلك الجدل الذي تمرغت البشرية فيه ولا تزال، حول حقيقة العالم وحقيقة الخالق، والوصول إلى طبيعة العلاقة بينهما، ولا يزال هذا التخبط مصدراً ومنبعاً لكثير من الشر والمصائب والصراعات والحروب، ونظرات الاستعلاء والدونية بين الشعوب. فالهندوسية وبعض الاتجاهات الغنوصية المتدرعة بالتصوف ترى ذوبان العالم واتحاده في الحقيقة الإلهية التي تعد الحقيقة الوحيدة في الوجود، وكل ما عداها وهم، ولا وجود حقيقي له، وأما قدامى المصريين فقد كانوا يذهبون إلى فكرة ذوبان الوجود الإلهي في الطبيعة والعالم فالإله عندهم يتجلى في الفرعون، وفي الأنهار التي تجلب الخصب والحياة، وفي الشمس التي تعطي الحرارة والضياء، وفي العشب الأخضر الطالع في الأرض.
أما الإغريق والرومان فمع اشتراكهم مع الفراعنة في أصل ذلك المعتقد، لكنهم يذهبون إلى أن أي شخص عظيم أو مظهر من مظاهر الطبيعة يتعاظم يمكن أن يوضع فوق الطبيعة، وأن يضفي عليها سمات التأليه دون انفصال عن الطبيعة، فهو متصل في حقيقته منفصل من حيث امتيازه.
إن غرور الإنسان وكبرياءه جعله يحاول حل أو معالجة ما سماه الأقدمون بالعقدة الكبرى، ويسميه المعاصرون الأسئلة النهائية، ليصنع عالم غيبه بنفسه فلا يحتاج الى إله خارج ذاته، ويكون له القدرة أن يقتحم عالم غيبه المصنوع متى شاء وكيف شاء، ومع أنه كان يؤوب دائماً بالخيبة والفشل إلا إذا أسعفه الوحي، لكنه لم يتوقف عن المحاولة، مرة بطريق الفلسفة وأخرى بطريق العلم، وأخرى بطرق الخرافة والشعوذة، ورغم فشله المتكرر إلا أنه لم يستسلم، ولم يدرك أن ما يفعله لا طائل تحته؛ لأنه محاولة للكشف عن أمور في غاية الأهمية والخطورة بدون أدوات ووسائل مناسبة، أو بأدوات غير مناسبة لا تصلح لارتياد هذه الآفاق فضلاً عن الكشف عنها. إن قضايا الغيب المطلق لا يستطيع العقل النسبي الوصول إليها بأدواته والإلمام بوسائله، ولابد من تلقي حقائقها من الخالق تبارك وتعالى، فهو الذي أحاط بكل شيء علماً، وهو عالم الغيب والشهادة، لا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول.
قد يكون المفكر الغربي معذوراً في لجوئه إلى العقل الإنساني والعلم البشري والفلسفة الآدمية، فهو قد عانى من الكنيسة ما عانى، فقد يكون له الحق أن يشرد ويهرب ويتمرد ويرفض المصدر السمعي الذي يخشى أن يرده إلى الكنيسة التي ارتبطت نهضته بهروبه منها، وما خرج من الظلمات التي وضعته فيها إلى التنوير إلا بالتمرد عليها، ولكن ما عذر هؤلاء المسلمين وقد جاءتهم بيضاء نقية، أن يلبسوا إيمانهم بظلم، أو يفضلوا التيه على الهدى، والعمى على الإبصار؟
أننا نحن المسلمين وبالرغم من أن موقعنا الحالي من العلم هو موقع المستهلك لا الشريك الفاعل، ورغم تخلفنا، نستطيع بالتوحيد وبالرؤية الكلية الإسلامية و(منهجية القرآن المعرفية) أن نعالج أزمة العلم، وأزمة المنهج، ونقوم بتنقية الفلسفة، وذلك بفك الارتباط بين الإنجاز العلمي الحضاري البشري والإحالات الفلسفية بأشكالها المختلفة، وإعادة توظيف العلوم ضمن ناظم منهجي ومعرفي توحيدي ديني غير وضعي ولا لاهوتي يقوم على (الجمع بين القراءتين) وفهم التماثل بين قوانين العلوم الطبيعية وقوانين الوجود التي قامت على المقاصد العليا الحاكمة لشريعتنا، وقيمنا العليا والقيم المتفرعة عنها.
وبذلك ننفي عن العلوم البعد الوضعي المحدد، ونعيد صياغتها ضمن بعدها الكوني، المتضمن للغائية الإلهية في الوجود والحركة. وبذلك يعيد الإنسان فهم مدلولات القوانين الطبيعية نفسها. فهماً مغايراً لفهم أولئك الماديين والوضعانيين الانتقائيين أمثال ديورانت وهاكسلي، ونحوهما من أولئك الذين يشتركون جميعاً في الانطلاق من فلسفة العلوم الطبيعية المعاصرة، التي حددت للوجود وحركته منهجاً قائماً على علاقة تفاعلية بين الإنسان والطبيعة، وبمعزل عن البعد الإلهي الغيبي الذي أنكرته أو تجاهلته تماماً، فهاجت وماجت واضطربت وحادت عن الطريق.
إن فلسفة العلوم الطبيعية والعلوم الطبيعية نفسها لا يمكن لها أن تتعدى ميدانها، وتتجاوز حدودها تصوراً ورؤيةً كليةً للوجود أو تفسيراً شاملاً للكون والحياة والإنسان ، وعالمي الغيب والشهادة، ففلسفة العلم والعلم ذاته بدأ تعاملهما مع الكون بعد وجوده، ولم تشهد كيفية وجوده، ولم تسهم بذلك الوجود، فأنى لهما الوصول إلى فهم وتفسير (حقيقة الوجود) بل وما وراء الوجود؟.
إن فلسفة العلوم الطبيعية، والعلوم الطبيعية كافةً، والمنهج العلمي والتجريبي، كل أولئك إنما يتعاملون مع ظواهر الوجود، لا مع ماهية الوجود، ولا مع حقيقته، فضلاً عما وراء تلك الماهية والحقيقة؛ وتقرير ذلك والوقوف عنده لا يعني نفياً للعلم، أو انتقاصاً من قيمته أو تجاهلاً لما قدمه للبشرية؛ بل يعني معرفة بحدوده وأبعاده وإمكاناته، وقدرات أدواته، ومجالاته. فالعلم لم يوجه للتعامل مع (عالم الغيب المطلق) أو الكشف عنه وتسخيره، فذلك فوق طاقته، وخروج به عن المنهج السليم لفهم ما يهم البشرية فهمه من حقائق الوجود وما وراء الوجود، وعالم الغيب هو (الوحي) بطرقه الغيبية التي قررها العليم الخبير الذي يؤتي عباده من العلم ما يصلح ويستجيب لاحتياجاتهم في القيام بحق الأمانة ومهمة الاستخلاف، ويعينهم على بلوغ وجودهم وخلقهم.
لقد أعاد الإنسان تفسير العلم، وبناء مفهومه، فصار العلم والمعرفة (كل معلوم خضع للحس والتجربة) وهذا التعريف هو التعريف الذي اختاره اليونسكو وعممه على سكان الأرض، ليكون التعريف العالمي للعلم وللمعرفة، وليلقي كل ما عدا ذلك في سلة الخرافة، ليستريح الإنسان من النظر فيه أو النظر إليه، وحين اكتشف الإنسان الطاقة أدرك شيئاً من ضلاله القديم في القرن التاسع عشر في النظر إلى المادة لا تستطيع لأن تعطيه تفسيراً دقيقاً أو غير دقيق لكثير من الظواهر.
إن العقل البشري لم يؤهل للتحرك في عالم الغيب، وعالم الأمر الإلهي، ولذلك لم يعرض الله آدم لذلك الاختبار الذي عرض الملائكة له، فعلمه الأسماء كلها، إذ لو ترك الأمر لعقله لكان أعجز من الملائكة في ذلك. نعم ان العقل البشري مطالب بالاستماع إلى الرسل، والنظر فيما يأتون به، وتدبر معجزاتهم للوصول إلى الإيمان، فإذا آمن بالله الواحد الأحد، وقبل من الرسول ما جاء به فإن عليه بعد ذلك تلقي تفاصيل الإيمان وأركانه، ومقومات الرؤية الكلية ودعائمها من المصدر الإلهي الصادق من غير مقررات مسبقة، أو تعديلات وتأويلات وتشبيهات وتعطيلات لاحقة.
إن التجربة الإبراهيمية تبرز نموذجاً حياً هادياً للبشرية، فالعقل الإبراهيمي قد وصل إلى تصور إجمالي بعد جهد جهيد لوجود الله تعالى ووحدانيته، لكن صفاته تبارك وتعالى وألوهيته وربوبيته، وإدراك ذلك كله على التفصيل لم يتأت لإبراهيم إلا بعد تلقيه الوحي، ولم يصل إلى اليقين في تدبير الخلق بمجرد النظر بأدلة الخلق والعناية والرعاية، بل وصل إليه ذلك بعد التلقي عن الله تعالى.
إن إدراك الفلسفة مهما سمت لا يستطيع أن يتوصل لأكثر مما توصل إليه ذلك الأعرابي الذي قال "البعرة تدل البعير، والأثر يدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدلان على العليم الخبير؟" فهذا النوع من الإدراك الإجمالي لدى الأعرابي للألوهية والربوبية يمكن للفيلسوف ان يصل إلى مثله بوساطة النظر العقلي الفلسفي؛ ليقرر في نهاية الأمر ضرورة وجود (واجب الوجود) أو (علة العلل) أو (السبب الأول) ولكن لا يمكن له أن يصل بكل أدواته إلى هداية المرسلين، وتعريفهم الخلق بخالقهم، وصفات الكمال التي يتصف بها، وانتفاء أية صفة لا تليق بجلال ذاته، وحيثما حاول العقل البشري أن يسلك طريقاً غير هذا الطريق ـ طريق التلقي عن الرسل ـ جاء بالخبط والتخليط الذي لم يستقم قط في تاريخ الفكر البشري. يستوي في الخبط والتخليط تلك الجاهليات الوثنية التي انحرفت عما جاء به الرسل، والجاهليات اللاهوتية التي أدخلت على الأصل الرباني والإضافات التي اصطنعها العقل البشري، وفق مقولاته الذاتية، أو اقتبسها من الفلسفة، وهي من مقولات هذا العقل أصلاً. والمفاهيم الفلسفية التي استقل الفكر البشري بصنعها، أو أضاف إليها تأثرات من الديانات السماوية وسواها.
وحيثما نظر الإنسان في هذه التصورات طالعته نتف من هنا ونتف من هناك. رؤية ناقصة دائماً، تلتقط الصورة من زاوية واحدة، حقائق صغيرة متناثرة في ثنايا هذه التصورات، ولكنها ليست هي (الحقيقة) كما يأتي بها المرسلون عادةً.
التوحيد وتفسير العالم:
إن الرؤية الفلسفية المنفصلة عن الوحي، أو النظر العقلي الإنساني، الذي لم يتداركه لطف الله تبارك وتعالى بالوحي لا يمكن أن تكون منطلقاً سليماً لإعطاء تفسير العالم؛ أما (التوحيد القرآني) فإنه رؤية كلية ونظرة عامة إلى الواقع والحقيقة والعالم والزمان والمكان والتاريخ البشري، لذلك فإنه يقدم تفسيراً سهلاً ميسراً قائماً على مجموعة من المبادئ التي يسهل إدراكها من سائر أنواع البشر مهما اختلفت مستوياتهم وطاقاتهم الإدراكية.
أ_ الزوجية أو الثنائية في كل شيء عدا الله الواحد الأحد، فعلى الزوجية أو الثنائية يعتمد كل شيء من عالم الخلق والأشياء في وجوده ونموه وتطوره وبقائه. ما في الوجود عدا الله تعالى عالم خلق، خلقه الله أحسن الخالقين، لم يخلق من غير شيء، ولم يخلق نفسه وبقاءه، ولم توجده طبيعة، بل خلقه الخلاق العليم المتعالي المتجاوز، المنزه عن مشابهة المخلوقين، أو الاتصاف بصفاتها، أو الحلول فيها، أو الاتحاد بشيء منها. ولذلك بدأت الشهادة؛ شهادة أن لا إله إلا الله (بالسلب) لأن المنفي متكثر، والمثبت واحد فقط، ولذلك كان السلب عن المتكثر الذي لا يحصى مقدماً لإثبات الألوهية للواحد الأحد الفرد الصمد.
إن أزمة (الحضارة المعاصرة) التي تحولت لسوء حظ البشرية إلى حضارة عالمية تتلخص في:
1_ ضلالها عن الله وتوحيده في ذاته وفي صفاته وألوهيته وربوبيته.
2_ اللاهوت بشقيه اليهودي المحرف التائه المثقل بالتراث الوثني البابلي والتراث المحرف، والنصراني المثقل بوثنية الإغريق والرومان وتحريفات المحرفين. لم يعد قادراً على فعل شيء غير الوظائف الرخيصة التي حددها له النموذج العلماني، فالكنسية والنادي في هذا النموذج شيء واحد، كل منهما يلعب دوراً، ويقدم خدمة للجمهور.
3_ إن الحضارة المعاصرة تكاد تدمر كل المعابد: معابد اللاهوت، ومعابد الفلسفة، ومعابد العلم، ومعابد المنهج. وبدأت تفقد شعورها بالإنجاز والنجاح والتفوق، وهي ترى نفسها عاجزة عن الجواب عن كل ذلك الكم الهائل من تساؤلات ديورانت وهاكسلي ومفكري الحداثة وما بعد الحداثة، عاجزة كذلك عن تفسير آلاف الظواهر التي عجزت الفلسفة والعلم الغربيان عن تفسيرها.
4_ إن القرآن وحده القادر على أن يحمى البشرية وإنجازها ويمنعها من العودة إلى نقطة الصفر أو البداية أو الجاهلية الأولى، وذلك لو أصاخت البشرية السمع لهذا القرآن، وأصغت إليه، وتعلمت (التوحيد)من محكم آياته، وتعلمت منه منهج (الله اكبر) و(الله اعلم).
5_ لكن المشكلة البشرية الأخرى أو أزمتها الإضافية بأيدي أمة جاهلة تعيش حالة (الاسترخاء الحضاري) وهي حالة خطيرة أشبه بحالة الطفيلي العاجز المسترخي الذي يعيش على ما عند الآخرين ولا يبالي. فهي أمة لا تعاني الأزمة ولا تشعر بها لتخلفها، وبالتالي فهي لا تدرك أزمتها ولا أن العالم في أزمة، وأن بيدها الحل الشامل لأزمة العالم المعاصر، والعالم الغربي المدرك للأزمة، والذي يعاني منها حرم على نفسه الاقتراب من القرآن؛ لأنه نظر إليه من خلال نظره إلى لاهوته، وما ينطوي عليه من أزمات، إضافة إلى أنه نظر إليه نظرة أخرى من خلال حالة البلاهة والبلادة والاسترخاء الحضاري الذي يعيشه المسلمون، فظن أن القرآن مسؤول عن حالتهم تلك؛ ولم يستطع أن يدرك أن هجرهم القرآن هو المسؤول عما هم فيه من تردٍ.
تجليات التوحيد في النظام السياسي:
فالسياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق ترتبط كلها ارتباطاً وثيقاً بالرؤية الكلية للأمة ونظرتها إلى الكون والإنسان والحياة وخالقها كلها، فإذا بدا واضحاً انعكاس هذه الرؤية على علوم الأمة التي تقوم نظمها وتستند عليها، فذلك هو الأمر الطبيعي والنتيجة التي لا ينبغي أن تتخلف، وإذا لم يحدث ذلك، فذلك يعني أن هناك خللاً أو خطأ ما هو الذي حال دون بروز ذلك الترابط في واقع الحياة.
إن كل الجدل الذي دار تاريخياً حول العلاقة بين (الإيمان والعمل) وأخذ في العصور الأخيرة أشكالاً مختلفة، إنما دار ذلك من أجل إقناع المؤمنين أياً كان إيمانهم بعدم ضرورة الربط بين (الإيمان والعمل). وكذلك محاولات حصر الإيمان بالقناعة العقلية والتصديق القلبي، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وجدل الأصوليين حول صدق المشتق على ما منه الاشتقاق، في نحو الظالم والعادل وما يتصل بهذه الأمور كان ولا يزال تعبيراً عن كوامن سياسية كانت تحاول التعبير عن نفسها بأشكال مختلفة، ونحن أحوج ما نكون إلى تجاوز ذلك والتشبث بالتوحيد القرآني.
لقد أسس الأمويون عقيدة الجبر ليعلقوا عليها أخطاءهم وانحرافاتهم السياسية، وأسست بعض فصائل المعارضة السياسية لهم عقيدة نفي القدر، وأولت آيات، ووضعت أحاديث، لينتصر كل فريق لما أسس، وشاعت أحاديث الفرق وفضائل النواحي والبلدان والاتجاهات والشعوب والقبائل والأفراد، وكل ذلك جاء على خلاف مقتضيات التوحيد القرآني، فالتوحيد القرآني يتدخل تدخلاً مباشراً بكل ما له صلة بالسلوك السياسي للأفراد وللجماعة؛ بل لا نبالغ لو قلنا: إن العقيدة الدينية أو المشاعر الدينية هي المؤثر الأساس في تحديد خصائص السلوك السياسي، وخاصةً في البلدان التي يتمكن الفرد فيها من ممارسة حريته في الاختيار السياسي، ويكفي بالنسبة لنا نحن المسلمين للتدليل على ما تقدم إدراج مباحث (الإمامة) في أصول الدين، حيث تبحث أمور العقيدة.
ولا نعني بضرورة انعكاس التوحيد على النظام السياسي تحويل النظام السياسي إلى جزء من العقيدة أو من الدين بصفة عامة، بل نريد بذلك أن تلتزم الأمة حكاماً ومحكومين بالقيم والمقاصد الإسلامية العليا الحاكمة ( التوحيد، التزكية، العمران). وسائر مستويات القيم الأخرى المرتبطة بها كالعدل والمساواة والحرية، والوفاء بالعهد الإلهي، والقيام بمهام العبادة، والاستخلاف، وأداء حق الأمانة، والابتلاء، وتحرير العباد من عبادة أهوائهم وشهواتهم ومستذليهم من الطغاة، ومساعدتهم على ممارسة حريتهم في عبادة الله خالقهم ورازقهم وهاديهم، واختيار ما يدينون به. وهذا الذي يحققه التوحيد في قلوب المؤمنين أو ما يسمى بالجماعة السياسية وفي عقولهم وممارساتهم اليومية يتحول إلى رشد جماعي يزكي الأداء الجماعي السياسي ويكرس العلاقات الخيرة بين الجماعة السياسية، ويجعلها قائمة على المودة والتراحم، ورعاية الحقوق وأداء الواجبات؛ ويوحد بين أبناء الجماعة، أو يؤلف بين قلوبها؛ لان التوحيد يؤدي إلى وحدة الرؤية، ووحدة المشاعر، وبالتالي وحدة المواقف، ووحدة الهدف والغاية وإلى الولاء للمؤمنين، والبراء من أعداء الله وأعدائهم، وهذه هي الدعائم الكبرى التي تقوم على أساس منها أو من بدائل مقاربة أية جماعة سياسية متماسكة.
إن البيعة للخليفة عقد بين الأمة وبينه يقوم على اختيار تام وتشاور، لمعرفة الأصلح والأرشد والأقدر على تحمل المسؤولية وممارسة المهام، والخليفة وأجهزة حكومته مسؤولون أمام الله تعالى ومسؤولون أمام الأمة عن حماية وتحقيق ضرورياتها وحاجياتها وتحسينياتها، وفقاً للشريعة التي لا تحابي أحداً، ولا تميز أحداً على أحد.
والإسلام من خلال ترابط منظومة القيم فيه، وشيوع الوعي على تلك القيم بين سائر فصائل الأمة؛ لعدم وجود فاصل بين ما هو ديني ودنيوي يجعل رقابة الأمة رقابة حقيقية، دون حاجة ماسة إلى إيجاد أجهزة للتوعية السياسية، كما أن التوحيد يحرر الجميع من سائر عوامل الخوف، ويجعل إبداء النصيحة عند ظهور أي انحراف واجباً لا يسع أحداً السكوت عليه أو اتخاذ موقف سلبي حتى تستقيم الأمور وتعود القيم إلى مواقعها الفاعلة المؤثرة، ويلزم الحاكم بكل ما بايعته الأمة عليه.
ولقائل أن يقول: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت بلاد المسلمين ميداناً واسعاً لتحكم الدكتاتوريين قديماً وحديثاً؟ ولماذا لم يؤثر إيمانهم وعقيدتهم في نظمهم السياسية؟ ولماذا تكون الشعوب المسلمة أكثر شعوب العالم إنتاجاً للنظم الشمولية الظالمة، وأكثر شعوب الأرض تصديراً للاجئين السياسيين؟ ولماذا أغلقت الأرقام القياسية لسجناء الرأي، ومنتهكي حقوق الإنسان، ومصادري الحريات كلها عليهم بحيث لم يعد بعد سقوط الشيوعية بلد واحد ينافس أياً من البلدان المسلمة في ذلك كله؟ في حين نجد بلداناً أخرى علمانية أو لا دينية وقد تكون وثنية تجاوزت هذه الأحوال كلها، واستطاعت أن تحق أنظمة حرة ولو في حدود ديمقراطية، ولو مع بعض القيود، تحترم الإنسان وحقوقه وكرامته، وتصونها، وتحفظ الحريات للأفراد والجماعات، وتسمح بالمشاركة السياسية؟.
إن بعض الشعوب الإسلامية المقهورة ـ وما أكثرها ـ تتمنى لو عادت إلى عهود الاستعمار بدلاً من الحكومات الوطنية، بما فيها تلك التي لا تفتأ تذكر الناس بدينها وإسلامها والتزامها وربما تمسكها ببعض القوانين والنظم الشرعية. وهذه التساؤلات وجيهة وفي محلها، وعليها إجابات قد تتنوع مصادرها، ولعل منها:
1_ إدخال مباحث الأمة باعتبارها قيادة سياسية في دائرة العقيدة، جعل كل خلاف سياسي أو إداري بين الحكام والمحكومين يحال إلى العقيدة أو إلى الفقه، فيجرى تقييمه في الحالة الأولى بمقاييس الإيمان والكفر والاستقامة والردة، فيحدث الخلاف صدعاً لا يمكن إغلاقه أو تلافيه. ويتجاذب الطرفان مفهومي (الحق، الحقيقة) بحيث يقتنع كل منهما بأن موقفه هو الموقف الممثل للحق والحقيقة، والموقف الآخر باطل لا بد من رفضه والوقوف ضده، والحيلولة بينه وبين الظهور، أو القبول لدى الأمة. وإذا أحيل الخلاف إلى الدائرة الفقهية لتحكم فيه فذلك يعني إخضاعه لمقاييس الصواب والخطأ، فأحد الرأيين أو الموقفين صواب والثاني خطأ. وهذا يحدد كذلك المواقف. ويجمدها على المواقف القيمية، وبذلك يصبح كل خلاف في الرأي قابلاً لأن يتحول إلى خلاف أيديولوجي بين حق وباطل وصواب وخطأ.
2_ إننا ورثة تقاليد ذات حساسيات شديدة لأية مراجعات لآراء أو مذاهب تكلمت بها شخصيات كرست مشروعيتها ومكانتها التاريخية في العقول والقلوب والنفوس، وذلك لخلط سابق تكرس ـ أيضاً ـ بين الرأي وقائله حتى كاد البعض ينظر للرأي كأنه ذات صاحبه، فأي نقد يوجه لرأي قال به أو تبناه أحد قيادات الرأي أو المذاهب يعد بمثابة نقد لصاحب الرأي أو المذهب، فإذا كان النقد عندنا قد أخذ معنى السب والهجو، والآراء قد تشخصت لعوامل تاريخية ومعاصرة فإن ذلك يعيننا على فهم كثير من الأسباب التي تحول بين بعض من لديهم ما يقولون والإمساك عن الإفصاح عنه والتصريح به، كما يفسر لنا وحدة ردود الأفعال التي يستقبل النقد بها. كما أن تقاليد احترام الأكبر في السن أو في المقام تقاليد متأصلة في ثقافتنا صاحبها نوع من الانحراف بمفهوم الاحترام ليضم إلى معانيه قبول الرأي من الأكبر دون مناقشة تذكر، وعدم إظهار المخالفة إلا في أضيق الحدود.
3_ إننا أمة قد أصّلت لفكرة الإجماع واعتبرته دليلاً من أهم أدلة الفقه الشرعية، وعرف فكرها ولو في نطاق ضيق ما يسمى بالإجماع السكوتي والمراجعات وإبداء الآراء المغايرة نتيجة لمثل هذا البعد الثقافي أصبحت تأخذ شكل الاختلاف والانشقاق، وتهديد الإجماع والوحدة وتفريق كلمة الأمة، ومن يجترئ على المراجعة وهي بهذه المثابة؟!
4_ ارتبطت فكرة تقديم الرأي والمراجعة وتبني ما لا يتبناه صاحب السلطة الذي يحتكر حق الكلام باسم الأمة بتكون الفرق ونشوء الطوائف مع أنه كان الأولى أن ترتبط نشأة الفرق بغياب قنوات التعبير، وفقدان سبل مراجعة الآراء دون تحزب حولها أو تعصب لها في داخل الكيان الاجتماعي الموحد، إذ لو وجدت مثل هذه السبل والقنوات لما وجد أصحاب الآراء والمقالات حاجة إلى إيجاد قنوات خاصة بهم من خلال تأسيس حزب أو فرقة أو طائفة منفصلة عن الأمة أو جمهورها.
5_ فترات الصراع الطويلة مع الآخر جعلت من وحدة الرأي مطلباً لأصحاب القرار والمسؤولين عن تعبئة الأمة، فصدور أية مراجعات أو آراء مغايرة يحمل ـ عندهم ـ على أنه تفريق لوحدة الأمة تهديد لهويتها.
6_ تهميش دور الرأي والعقل، واتهام العقل والتحذير منه، من دون النص أدى إلى تهميش الشورى، والاستهانة بها، وتجاوزها لأدنى سبب، واعتبارها فضلة وتطوعاً وتبرعاً من الحاكم للأمة، وليست فرضاً واجباً شرعياً على الأمة والحاكم منها لا يسع أياً منهما تجاوزه أو تجاهله.
عدم إيجاد مؤسسات تتقاسم الصلاحيات والمسؤوليات، وتحدث فيما بينها التوازن المطلوب والمراقبة المشتركة وتحمي الأمة من السقوط في شرك الفردية، وتغلق بوجه الفردية والدكتاتورية الأبواب.
كل هذه الأمور قد شاركت بشكل أو بآخر في ذلك الاضطراب المبكر الذي حال دون انعكاس التوحيد وسائر قيم الأمة الحاكمة على نظامها السياسي بشكل دقيق فيجنبها التعرض لما تعرضت له من قلق، واضطراب، واستبداد، وأحكام طوارئ، وكل ذلك لا يمنع أن التوحيد قادر على إعادة الأمور إلى نصابها في سائر بلاد المسلمين حين يتحققون بحقيقته، ويلتزمون به، ويفهمونه حق الفهم ويمارسونه بشكل دقيق، فالتوحيد يقود كل موحد إلى إدراك أن الكون ـ كله ـ خلق الله فهو ليس من صنعنا، وما عملته أيدينا، وما نحن إلا بشر ممن خلق؛ فهو خالق الكون وخالقنا، وهو مسخر الكون بمن فيه، وما فيه لنا (ألَمْ تَروْا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكُمْ مَا فِي السَّماواتِ وَمَا فِي الأرضِ وَأسْبغَ عَليكُمْ نِعَمهُ ظَاهرةً وَبَاطنَةً) (لقمان: 20) وهو سبحانه قد خلقنا وصورنا وأحسن صورنا، وجعلنا درجات في الذكاء والقوة والضعف والعلم والجهل والجد والنشاط والخمول؛ لكي يكون في مقدورنا أن نتعاون من مواقع مختلفة دون أن يضيع أجر عملاً في موقعه وموضعه أياً كان ذلك الموقع.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التوحيد والتزكية والعمران
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نفحات اسلاميه :: الاسلام حول العالم :: فكر إسـلامي-
انتقل الى: