نفحات اسلاميه
اهلا بك معنا في منتدي نفحات اسلاميه

نفحات اسلاميه

كل ما يخص الدين الاسلامي/فقه/سنه/حديث/افكار/الاسلام والغرب/الاسلام بالانجليزيه/شباب الامه/فتيات الامه/
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مصادر علم الرسول

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عادل حمام

avatar

ذكر عدد المساهمات : 73
تاريخ التسجيل : 12/08/2010
العمل/الترفيه طالب
المزاج : رايق

مُساهمةموضوع: مصادر علم الرسول   السبت أغسطس 21, 2010 6:06 am

1 ـ أمية الرسول:
ونحن في صدد الحديث عن مصادر علم الرسول محمد (ص) لابد لنا بادئ ذي بدء من بت القول في أميته عليه الصلاة والسلام، وقد ورد النص القاطع على ذلك في الآيتين 157 و 158 من سورة الأعراف، فقال تعالى: (الين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا أيها الناسُ إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يُحيي ويُميتُ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمنُ بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) والأمي في لغة العرب: الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا ما أكدته الآية 48 من سورة العنكبوت: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون).
ولكننا إذا رجعنا إلى كتب الحديث والأثر لعثرنا فيها على ما يمكن أن يُفَهَم منه أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرأ وكتب، من 5ل:
أ ـ ما روي أنه (ص) قرأ صحيفة لعيينة بن حصين وأخبر بمعناها.
ب ـ ما روي مما يدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها، ومن ذلك: أن معاوية كان يكتب بين يديه فقال له (ص): ((ألق الدواة وحرف القلم، وأقم الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن وجود الرحيم)).
ج ـ ما رواه مسلم عن البراء بن عازب (رض) قال: لما أحصر النيب عند البيت صالحه أهلُ مكة على أن يدخلها فيقيم فيها ثلاثاً، ولا يدخلها إلا بجُلُبان السلاح: السيف في قرابه، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحداً يمكث بها ممن كان معه، فقال لعلي: ((اكتب الشرط بيننا، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ولكن اكتب: محمد بن عبدالله، فأمرَ علياً أن يمحاها، فقال علي: لا والله لا أمحاها، فقال رسول الله: (أرني مكانها)) فأراه مكانها فمحاها وكتب: ابن عبدالله...
أما الشعبي ـ فيما نقل عنه ـ وأبي عمرو السمناني الفلسطيني، وأبي ذر عبدالله بن أحمد الهروي، وأبي اللويد الباجي فيقول بأن رسول الله (ص) ما مات حتى كَتَب. وأن كتابته عليه الصلاة والسلام لا تُخلُّ بأميته التي وصفه بها القرآنُ الكريم، فهو أمي فعلاً، ويعرفه الناسُ كلهم بذلك، وما كانت الكتابة منه إلا معجزة أمده الله تعالى بها أمام هذا الكافر ومن كان معه لعله يؤمن عندما يرى أمياً يكتب.
ولكننا إذا دققنا في هذه الآثار نجدُ الأثر ((أ)) قراءة صحيفة لعيينة: لا يصح سنداً، صرح بذلك القرطبي وغيرُهُ عند كلامه على تفسير قوله تعالى: (ما كُنتَ تتلو من قبله من كتاب...) من سورة العنكبوت/ 48.
أما الأثر ((ب)) وهو قوله: ألق الدواة وحرف القلم... الخ فإنه لا يصلح دليلاً لأمرين:
الأول: إنه لا يصح من حيث السند.
والثاني: إنه لا يحمل إلا معلومات عامة عن حسن الخط، كتجويد القَلَم وإيضاح الحروف، وبذل المزيد من العناية في رسم الأسماء المعظمة كاسم الله، والرحمن، والرحيم، وهذه توصيات ما زال الآباءُ أميونَ وغيرُ أميين يوجهونها لأولادهم عندما يرون عدم الوضوح، وعدم الإشراق في خطهم، فهي إذن معلومات لا تمتنع على الأميين العاديين حتى تمتنع على رسول هو أنورُ الأميين عَقلاً، وأشدهم ملاحظة.
أما الأثر الثالث، وهو حديث البراء بن عازب، وهو خبر صحيح، ففيه ((أرني مكانها، فأراه مكانَها، فمحاها، وكتب: ابن عبدالله)) وليس في هذا ما يدل على أن الرسولَ هو الذي كتب بيده، ولكن فيه ما يدل على أن الرسول (ص) محاها بيده لئلا يحنث علي كرم الله وجهه بيمينه، لأنه حَلَف أن لا يمحوها، لأن قوله في الخبر: ((وكتب: ابن عبدالله)) يَحتَمل أن يكون الكاتبُ هو رسول الله، ويحتمل أن يكون الكاتب هو علي بن أبي طالب وهو الاحتمال الأقوى، نظراً لأن رسول الله كان أمياً، ونظراً لأن علياً لم يحلف أنه لا يكتب، وإنما حلف أن لا يمحو.
وإذا ثبتت لنا أميةُ الرسول (ص) سقطت معها كل دعوى تقول أن كتّاباً من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها كانوا يكتبون العلم للرسول (ص)، أو أنه جَمَعَ كُتُبَ الأولين، فهو يقرؤها في الليل ويذيعها في النهار.
2 ـ المصادر التي يمكن أن يستقي الرسول المعلومات منها:
يحاول بعضُ الكتاب الغربيين مثل ((فون كريمر)) في كتابه ((الحضارة الإسلامية ومدى تأثرها بغيرها من الحضارة الأجنبية)) أن يُثبت أن الدينَ الذي جاءَ به محمد من عند ربه ما هو إلا مجموعة ملفقة مما خلّفته الأديانُ السابقة من تعاليم، ومما سادَ بين الشعوب من عادات وتقاليد، وبذلك يفرضُ أن محمداً (ص) رحالة جَاب الآفاقَ وعرف عادات الشعوب والقبائل التي تعيش وسط أدغال الهند والصين وأفريقيا، ودائرة معارف درس الأديانَ البائدةَ السماوية منها وغير السماوية ثم انتقى من ذلك كله مجموعةً من التعاليم ضم بعضها إلى بعض وسماها ((دين الإسلام)).
ونحن لا نريدُ أن نردّ على أمثال هؤلاء الكتاب لأن الواقع ذاته ومنطق الحوادث يرد عليهم، فمحمد أمي، ونشأ في مجتمع أمي، ولم يخرج من بلده إلا في رحلتين لبلاد الشام فضلاً عن أن عادات كثير من الأمم التي تحدث عندها هؤلاء لم تُعرَف إلا في القرن الثامن عشر الميلادي أو التاسع عشر بفضل الحفريات الأثرية.
وعلى العموم: يمكننا أن نحصر المصادر التي يمكن أن يستقي منها الرسولُ المعلومات قبل البعثة ـ استناداً إلى وقائع السيرة المطهرة ـ بالمصادر التالية: المعلومات التي كانت متوفرة عند العرب الوثنيين، والنصارى، واليهود، والقانون الروماني الذي كان سائداً في بلاد الرومان.
ويضافُ إلى هذه المصادرُ ((الوحي)) بعد النبوة، وسنناقش فيما يلي مدى استفادة الرسول (ص) من كل مصدر من هذه المصادر:
أ ـ المعلوماتُ المتوفرَةُ عندَ العَرَب عبّاد الأوثان: إن الملاقاة معدومة بين عقائد الإسلام وعقائد الجاهلية، وهي معدومة أيضاً بين عبادات الإسلام وعبادات الجاهلية إلا في مسائل معدودة في الحج، لأن الحج في أصله ليس من وضع العرب، وإنما هو عبادة مشروعة الأصول في دين إبراهيم (ع)، فقد أمر اللهُ إبراهيمَ أن يدعوَ الناسَ إليه كما حكى القرآن ذلك في سورة الحج/ 26: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئاً وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير * ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق).
ولكن العرب ما لبثوا أن حرفوا حج إبراهيم وطوروه بما يتناسب مع عقيدتهم وعبادتهم لأصنامهم، فكانت كل قبيلة تُنسك لصنمها، وكان لكل صنم تلبية خاصة تختلف عن تلبية من نَسَكَ لصنم غيره، وكانت بعض التلبيات يدخلها الشرك.
فكانت قريش تُنسك لإساف، وكانت تقول: ((لبيك أللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما مَلَك)).
وكانت تلبية من نسك لسُواع ((لبيك، لبيك أللهم لبيك، لبيك، أُبنَا إليك، إن سُواعَ طَلَبَنا إليك)).
وكانت تلبية من نسك لشمس ((لبيك، أللهم لبيك، لبيك، ما نهارنا نجرُّه، إدلاجُهُ وحره وقره، لا نتقي شيئاً ولا نضره، حجاً لرب مستقيم بره)).
وكانت تلبية من نسك لهُبَل ((لبيك أللهم لبيك، إننا لقاح، حَرَّمتَنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح)).
وكانت تلبية من نسك لسعيدة ((لبيك أللهم لبيك، لبيك لبيك، لم نأتك للسياحة، ولا طلباً للوقاحة، ولكن جئناك للنصاحة)).
وكانوا يذبحون الهدايا في منى، ويرمون الجمار، ويقفون بعرفات ويدفعون منها قبل المغرب والشمس نقيّة، إلا قريش فإنها كانت لا تخرج من منى، ولا تقف بعرفات ويقولون: لا نعظم من الحل ما نعظم من الحَرَم.
وكل هذه الأمور من آثار إبراهيم (ع)، التلبية والرجم وذبح الهدي والطواف، وإقرار الإسلام لها لم يكن إقراراً لعبادة موجودة في المجتمع الوثني، ولكنه إقرار لعبادة كانت في دين إبراهيم، شرعها الله تعالى لعبادته في دينه، ثم جدد مشروعيتها في الإسلام بعد أن خلصها مما شابها من عبادات الجاهلية وعاداتها.
أما الأمور التي تلاقى فيها الإسلامُ مع العادات التي كانت منتشرة في المجتمع العربي الوثني فهي كثيرة، نذكر منها: مبدأ تعدد الزوجات، ومبدأ الطلاق، ومبدأ العدة للمطلقة، وللمتوفى عنها زوجها، مع ملاحظة الفوارق الكبيرة في هذه الأنظمة بين ما كانت عليه في الجاهلية وبين ما جاء به الإسلام.
والسؤال الآن: هل كانت مشروعيةُ الإسلام لهذه الأنظمة استقاءً منه لهذه الأنظمة من المجتمع العربي الوثني الذي كان يأخذ بها؟ أم هي شرع مبتدأ من الله تعالى كان لابد منه لحاجة الإنسانية إليه في ذلك العصر وفي العصور التي تليه؟
لا نستطيع أن نقول إن محمداً (ص) استقى هذه الأنظمة من المجتمع العربي الوثني لأنه لو كان قد فعل ذلك، لأخذها كما هي، وكما يطبقها العربُ، مع أنه لم يفعل ذلك، فالمقارن بين هذه الأنظمة كما هي عليه في الجاهلية وكمان هي عليه في الإسلام يجد فوارقَ جذرية بدءاً من فلسفة النظام وانتهاء بالآثار المترتبة عليه، ومروراً بانسجامه مع الأنظمة الأخرى السائدة معه، فالعرب الوثنيون ـ مثلاً ـ كانوا يأخذون بمبدأ العدة للمطلقة وللمتوفى عنها زوجها ـ بقطع النظر عن مدتها ـ حفاظاً على عدم اختلاط الأنساب، وهم يتناقضون في ذلك عندما يأمرُ الواحد منهم زوجته بعد أن تطهُرَ من حيضها أن تأتي فلاناً ليطأها لتحمل منه ثم تعود إلى زوجها طلباً لنجابَة الولد ـ وهو ما يسمى بنكاح الاستبضاع ـ فأي تناقض بين الأنظمة هذا؟!!
ولو تمسك متمسك بدعواه أن هذه الأنظمةَ قد استمدها محمد من البيئة العربية، لقاده ذلك إلى القول: إن كل ما أتى به الإسلام من الفضائل مما يتفق مع ما عليه أهل الوثنية من الشجاعة والكرم، وحفظ الجوار وغير ذلك مأخوذ من البيئة الوثنية، ولا يقول بهذا عاقل، لأنها سلب لأخص خصائص التفكير الإنساني في تحري الحق، ولأخص خصائص الوحي في شرع ما يُصلح للناس دنياهم وينقذُهم في أخراهم.
وأما قصصُ الأمم السابقة من العرب البائدة كقوم عاد وقوم هود، وقوم ثمود، وقوم صالح، وأهل مدين قوم شعيب فإن العربَ لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً، بل هم لا يعرفون من قصص الأمم السابقة من العرب الباقية كالمعينين والسبئيين والحميريين إلا حكايات شعبية لا تحمل أي دليل على صحتها لا من الوثائق ولا من الشعر العربي.
ومحمد أذكى من أن يورط نفسَه برواية حكايات شعبية لا يُعرف مدى صحتها، فما حكاه القرآن أو حكته السنة من قَصَص هؤلاء الأقوام ليس مصدره ما شاع بين القوم من حكايات، ولكن مصدره الوحي الإلهي.
وأما علوم السياسة والحرب والاقتصاد والدعوة فلم يكن شيء منها معروفاً عند العرب.
ب ـ المعلومات المتوفرة عند النصارى: لابد لي من أن أنوه أولاً إلى أن محمداً (ص) قد نشأ في مكة ـ في ذلك الوقت ـ بلد الأوثان، وسكانُها كلهم من عباد الأوثان، ولم يكن فيها من النصارى إلا نفر يسير ما كانَ رسول الله (ص) يجلس إلى واحد منهم قبل البعثة، وإن اكن قد أخذ يتردد عليه بعدَ البعثة نفر حتى آمن منهم ((جَبر)) غلام الفاكه بن المغيرة، وقيل: كان عبداً لبني الحضرمي، و ((يعيش)) وكان عبداً لبني الحضرمي، وقيل: لبني المغيرة، وقيل: لبني عامر بن لؤي، و ((يسار)) وقيل اسمه ((نبت)) ويكنى بأبي فُكَيهة، و ((بلعام)) و ((عابس)) وكان عبداً لحويط بن عبدالعزى، و ((عداس)) وكان عبداً لعتبة بن ربيعة، و ((أبو ميسرة))، أما سلمان الفارسي فإنه لم يلتحق بالرسول إلا في المدينة المنورة.
وإذا كان هؤلاء قد انقلبوا أتباعاً لمحمد، فأسلموا، وأخذوا يقتدون بهديه، فهذا يعني أن محمداً لم يأخُذ منهم شيئاً، بل كانوا هم الذين يأخذون منه، وإلا لما سَلّموا له بالإمامة والنبوة.
ولما سافر رسولُ الله مع عمه أبي طالب إلى بُصرى من بلاد الشام ـ وكانت تلك البلاد تدين بالنصرانية ـ ورأى هناك الراهبَ ((بَحيرا)) كان عمره لا يتجاوز إثنتي عشرة سنة، وكان تحت رقابة عمه أبي طالب خاصة، وتحت قرابة رجال القافلة من قريش عامة، خاصة بعد أن حذرهم ((بحيرا)) من غَدر اليهود به إن هم رأوه، ورغم أن تفاصيلَ ما دار بين بحيرا ومحمد قد نقلت إلينا، إلا أنه لم ينقل لنا أن بحيرا علم رسول الله شيئاً من الدين ولا من غيره، كما لم ينقل إلينا أن محمداً كان يبحث عن معلومات يريد جمعها، بل إن سنه لم تكن تؤهله لذلك، ولا تشجع أحداً على أن يلقنه شيئاً من المعلومات الدينية.
وإذا أضفنا إلى ذلك قصَر مدة الرحلة، وحرصَ أبي طالب على استصحاب محمد معه أينما ذهب عملاً بنصيحة ((بحيرا)) وخوفاً عيه، أمكننا أن نقطع بأن هذه الرحلة لم تكن مصدراً للمعلومات الدينية بالنسبة لرسول الله (ص).
ولما سافر رسولُ الله مرة ثانيةً إلى بُصرى بتجارة لخديجة بنت خويلد كان عمره آنذاك خمساً وعشرين سنة، وكان يرافقُه في هذه الرحلة ((مَيسَرة)) غلام خديجة.
ورغم أن الراهبَ ((نُسطورا)) تنبأ بنبوة محمد (ص) لأنه رآه يجلس تحت شجرة زعم الراهبُ أنه لا ينزل تحتها إلا نبي، ولأنه رأى الغمامَ يُظلُّه ـ وأخبر بذلك ميسرة ـ إلا أنه لم يكن لقاء ولا حديث بين رسول الله وبين الراهب.
وكان هم رسول الله في هذه الرحلة منصرفاً إلى التجارة، لأنه كان يريد أن يثبت قدمه في عالم التجارة لعلها تدفع عنه بعضَ الفَقر، ولذلك فإنه لم يحدث أحداً من نصارى تلك البلاد بأمر دينه، ولم يحمل شيئاً من المعلومات عن النصرانية، إلا تلك المعلومات العامية التي يصادفُها كل إنسان، وهي معلومات لا تصلح مصدراً علمياً يمكن الاعتماد عليه.
ج ـ المعلومات المتوفرة عند اليهود: لقد عاشَ رسولُ الله (ص) فترةَ ما قبلَ النبوة وثلاث عشرة سنة من النبوة في مكة المكرمة، ولم يكن في مكةَ من اليهود أحد في ذلك الوقت، لأن اليهودَ كانوا يتوطنونَ في المدينة المنورة وما حولها، وفي خيبر، وفي تيماء، وفي وادي القرى، وفي اليمن، وكل هذه المراكز كانت بعيدةً كل البُعد عن مكة، ولم يرحل رسول الله إلى واحد منها، ولم ينقل إلينا أبداً أن رسول الله كان يتردد على أحد من اليهود، ولذلك فإننا نجزم بأن اليهودية لم تكن مصدر معلومات للرسول عليه الصلاة والسلام.
د ـ القانون الروماني: من المعروف أن الامبراطورَ الروماني ((جستنيان)) لما وضع مجموعاته القانونية ألغى جميعَ المدارس القانونية، ولم يبقَ منها إلا ثلاثة مدارس هي: مدرسة روما، ومدرسة القسطنطينية، ومدرسة بيروت، ليضيق دائرة تفسير القانون، ثم دُمّرت مدرسة بيروت على أثر زلزال شديد ضرب بيروت وأعقبه حريق هائل قبل ولادة الرسول بعشرين عاماً تقريباً أي سنة 551م، ولم تكن هناك أية مدارس قانونية رومانية في الجزيرة العربية لا في الشمال ولا في الجنوب.
وإذا كانت إقامةُ رسول الله في مكة، فإن من المستبعد أن تكون هذه المدارس مصدراً من مصادر المعرفة له؟
ولا يصح أن يقال: إن محمداً قد اطلع على كُتب القانون الروماني، لأنه قد تقدم معنا أن محمداً كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب أولاً، ولأن كتب القانون الروماني لم تكن مكتوبةً باللغة العربية، وأول كتاب منها ترجم إلى العربية هو الكتاب السوري الروماني، وكان ذلك في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي.
فإن قيل: إن اطلاع محمد على القانون الروماني كان عن طريق الناس الذين قابَلَهم في رحلته الثانية إلى بلاد الشام، حيث كان القانون الروماني هو الذي يحكم في بصرى الشام.
قلنا: إن الأفكارَ والمبادئَ القانونية هي أفكار ومبادئ دقيقة، لا يقدر غير المختصين على نقلها من أمة إلى أمة، وإذا ما تم نقلها على أيدي العامة أو المثقفين ثقافة عامة فإن نقلها سيكون مَسخاً، لأن ما فيها من قيود وشروط وضوابط لا يقدر على استيعابه إلا المختصون.
ثم إن محمداً لم يكن في هذه الرحلة متفرغاً لهذا، بل كان في شُغل عنه بالتجارة التي كان يحمل مسؤوليتها ـ وهو يتولى مثلَ هذا العمل لأول مرة، ويريد أن يُثبت وجودَه فيه ـ .
ولذلك فإنه يكون بعيداً عن التصور أن يلتقط محمد المعلومات القانونية هكذا على عَجَل، ويأخذها من غير المختصين، ثم تتفجرُ فقهاً ناضجاً متكاملاً هو الفقه الإسلامي.
ومن هنا فإننا نجزمُ بأن القانونَ الروماني لم يكن مصدَراً من مصادر العلم لرسول الله.
هـ ـ الوحي: وعندما نطلق هنا كلمة الوحي، فإننا نريد بها أمرين:
الأول: ما كان وحياً ابتداءً: وذلك بإعلام الله له بواسطة مَلَك مكرم هو جبريل (ع) بمعلومة ما.
وما نزل على رسول الله من المعلومات بالوحي ابتداء هو كل ما جاء في القرآن الكريم، وفي الأحاديث القدسية، والعبادات المفروضة وأركانها، وكل ما حَدَّثَ به الرسول ا لكريم مما لا يُعلم بالعقل، كأخبار الآخرة، ووصف الجنة والنار وغير ذلك، سواء أسنده الرسول إلى الله تعالى أم لم يُسنده.
والثاني: ما أقره عليه الوحيُ من الأمور الاجتهادية، إذ لا يجوز لنا أن نتصور رسولَ الله آلة يحركها الوحي، فالله تعالى خلق محمداً (ص) وخلق له من العقل أكمله، ومن الذكاء أعلاه، ومن صدق المُحاكمة أسده، وأحاط ذلك كله بالوحي يكلَؤُهُ ويرعاه، ويسددُ خطاه. فكان رسولُ الله يجتهد في معالجة بعض الحوادث، فإن وافق اجتهادُه الحق الذي رضيَه الله، مضى الأمرُ عليه، وأقرَّ اللهُ رسوله على اجتهاده، وفي هذه الحالة لا يُشترط التصريح بالإقرار، بل ا لسكوت وعدم المراجعة يعتبر إقراراً.
وإن جانبَ اجتهادُ رسول الله الحق الذي رضيَه الله، راجعه الوحي بذلك وسدد خطاه، كما حدث حين اجتهد رسول الله في أمر أسرى بدر، وانصرف اجتهادُه إلى أن المصلحة بفدائهم أكبر من المصلحة في قتلهم، ففداهم رسول الله (ص)، وما هي إلا برهة حتى نزل الوحي مسدداً وقائلاً في سورة الأنفال 67 ـ 68: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض تُريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم).
وأقبل رسول الله على بعض زعماء قريش يعرض عليهم الإسلام، وبينما هو منهمك بدعوتهم إذ أقبَلَ عليه ابنُ أم مكتوم ـ وكان ممن أسلم قديماً ـ وطلب منه أن يعلمه شيئاً، فلم يلتفت إليه رسولُ الله، اعتماداً على أن ابنَ أم مكتوم مؤمن مسلم، يمكنه أن يسألَ رسولَ الله عما بدا له في الوقت الذي يشاء، أما هؤلاء المشركون فقد أتت الآن الفرصةُ لدعوتهم إلى الله، وربما لا تأتي هذه الفرصة ثانية، ثم هم إن آمنوا ربما آمنَ بإيمانهم خلق كثير، ولذلك فإن ابنَ أم مكتوم لما كرر السؤال على رسول الله عبس رسولُ الله في وجهه وطلب منه أن يرجئ سؤاله لوقت آخر، فمضى ابن أم مكتوم كسيراً حزيناً، ولكن هذا الاجتهاد من رسول الله لم يُصادف الحق الذي أحبه الله تعالى، فنزل الوحي مسدداً وموجهاً بقوله في سورة عبس/ 1: (عبس وتولى * إن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما مَن استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما مَن جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى).
واجتمع طائفة من المنافقين في المدينة المنورة واتفقوا على ألا يخرجوا للجهاد مع رسول الله، فقال بعضهم: نستأذن محمداً بالتخلف عن القتال، فإن أذنَ لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا أيضاً ولم نلتفت إليه، ثم تقدموا إلى رسول الله واستأذنوه في التخلف عن الجهاد، فأذن لهم، ظاناً صدقهم فيما أبدوه من الأعذار، ولو لم يأذَن لهم لانكشَفَ نفاقُهم وعرفهم جميعُ الصحابة، فنزل التسديد والتوجيه من الله تعالى في سورة التوبة/ 43: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين).
وأصاب رسولُ الله أمَتَه مارية أم وله إبراهيم في بيت حفصة، فغضبت حفصة وقالت: يا رسول الله، في بيتي وعلى فراشي!! فقال لها: أيُرضيك أن أحرمها على نفسي، قالت: نعم، فحرمها، فنزل قول الله موجهاً في سورة التحريم/ 1: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك...).
ولما حضرت الوفاةُ أبا طالب دخل عليه النبي وعنده أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية، فقال النبي: أي عم قل ((لا إله إلا الله)) كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغبُ عن ملة عبدالمطلب؟! فقال أبو طالب: أنا على ملة عبدالمطلب، فقال النبي: لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك، فأنزل الله مرشداً نبيه ومسدداً في سورة التوبة/ 113: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحابُ الجحيم).
وإن المستقرئ للمعلومات التي استمدها الرسولُ من الوحي يجدُها لا تخرج عن نوعين:
الأول: العلم بالمغيبات، ونعني بالمغيبات ثلاثة أشياء:
1 ـ المغيباتُ الضاربة في القدم كأخبار الأمم الماضية وقصصهم.
2 ـ والمغيباتُ التي ستحدث في مستقبل الزمن كأمارات الساعة، والبعث والحساب وغير ذلك.
3 ـ ومغيبات حاضرة، ولكن لا سبيل إلى معرفتها بوسائلنا الأرضية المتاحَة، كوصف الجنة والنار، والإخبار عن بعض القوانين الطبيعية كقوله تعالى في سورة يس 38 ـ 40: (والشمسُ تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمسُ ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليلُ سابقُ النهار وكل في فلك يسبحون).
والثاني: الأحكام: وهي تشتمل على أحكام العقائد والعبادات والمعاملات وآداب التعامل والسلوك.
أما الحرَفُ والصناعات كتأبير النخل وحبس الماء للزراعة ونحو ذلك فلا دخل للوحي فيها، وإنما يتعلمها الرسول وغيره من البيئة التي يعيش فيها.
------------------------
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مصادر علم الرسول
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
نفحات اسلاميه :: الاسلام حول العالم :: فكر إسـلامي-
انتقل الى: